سمرقند

سمرقند أمين معلوف

عندما ولدت في الأول من آذار مارس عام 1873م… وإن لم يكن والداي يريدان إرباكي بهذا الاسم الآتي من بعيد… “عمر” فقد أخّراه إلى المرتبة الثانية لأتمكن إذا رغبت من استبداله بـ (ع) [5 بالحرف اللاتيني]… لم تكن الوراثة التي آلت إليّ على هذا النوح إلا لتوقظ فضولي في ذك الإشبين المغرق في القدم، وفي الخامسة عشرة شرعت اقرأ كل ما يتعلق به… وتعلمت ألا أرى في حرف (ع)… سوى راسب لا يمحى لطيش أبويّ صبياني، إلى أن أعادني لقاء إلى شغفي ووجه حياتي بإصرار على خطى الخيام”

. تبدأ تفاصيل هذه الرواية من هذه البدايات التي كان مع إصرار صاحبها على تقصي سيرة عمر الخيام باعثاً أتاح له الحصول على هذه المخطوطة التي من ثناياها نسج أمين معلوف نسجاً روائياً خلاباً من خيال حلق في أجواء المخطوطة التاريخية ليلقي على الأحداث في تلك الآونة الزمنية التي أرخ لها عمر الخيام، والتي تناقلها القيمون على المكتبة في (ألموت) أباً عن جد والتي من خلالها تسنى لنا معرفة أثر الخيام بعد موته فيما نال الحشاشين من تحول… وتسنى التعرف على “رباعيات الخيام” بعد أن غدا مستحيلاً في غياب المخطوط حيث اختلطت مئات الرباعيّات المنحولة و”رباعيات الخيام”.

تدور أحداث النصف الأول من الرواية في بلاد فارس (إيران اليوم) وآسيا الوسطى في القرن الـ11، وتدور حول عالم العالم والفيلسوف والشاعر عمر الخيام. وتروي قصة وضعرباعيات الخيام عبر تاريخ الدولة السلجوقية والتفاعلات مع الشخصيات التاريخية كالوزير نظام الملك وحسن الصباح زعيم الحشاشين وعلاقة الحب مع شاعرة من بلاط سمرقند. أما الجزء الثاني فيوثق جهود روائي أمريكي يدعى بينجامين ليسيج للحصول على النسخة الأصلية من الرباعيات، ويشهد التاريخ الفارسي من خلال الثورة الدستورية الفارسية التي وقعت في الفترة 1905-1907، ليفقد بعد ذلك المخطوط في غرق آر إم إس تيتانيك.

رواية سمرقند هي مزيج من الفن الروائي والبحث التاريخي.. اتخذت احداث الرواية في حقبتين زمنيتين مختلفتين تماما. الأولى في زمن عمر الخيام النيسابوري (القرن الثالث عشر) والثانية في زمن جمال الدين الأفغاني (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين). وقد قسمت الرواية الى 4 كتب: شعراء وعشاق، فردوس الحشاشين، نهاية الأعوام الألف وشاعر تائه

رواية غزيرة المعلومات والتفاصيل تجمع الشعر والحب واللفلسفة والسياسة والدين

في القسم الأول من الرواية يذهب بنا الكاتب الى عالم الخيام وسيرة حياته من ولادته في نيسابور وشبابه في سمرقند مرورا بأصفهان ومرو وحتى توفي في مسقط رأسه. ونشهد رحلات الخيام من مكان الى اخر وعلاقاته مع عدة شخصيات تاريخية، منها السلطان ألب أرسلان وملك شاه السلاجقة من بعده الذي بنى له مرصد فلكي ليتفرغ للعلم والكتابة ولقائه بجهان الذي عشقها وأحبها

في الكتابين الأولين توثيق تاريخي لحالة التخبط الفكري والسياسي الذي كان يسود العالم الإسلامي في تلك الفترة والكثير من الإضطرابات والأحداث السياسية والدينية كالإضطرابات التي تعرضت لها الدولة السلجوقية وظهور حسن الصباح مؤسس “فرقة الحشاشين” الذي اتخذ العنف والإستبداد أساسا لفرض سياسته وأسس قلعة “ألموت” حصنه الحصين الذي استعصى على الغزاة لأكثر من 160 عاما قبل ان يدمره المغول

وفي القسم الثاني من الرواية يرحل بنا الكاتب الى نهايات القرن التاسع عشر مع أحداث مختلفة وشخصيات مختلفة، حيث نتعرف على بنيامين ع. لوساج الأمريكي الذي أحب الخيام ورباعياته ومقابلته مع جمال الدين الأفغاني والتي كانت نقطة التحول في حياته والذي سهل له الطريق للوصول الى مخطوط سمرقند، ليبدأ رحلة مثيرة بدأها من باريس الى القسطنطينية حتى فارس ويشهد هناك الحروب والثورات وتتوج رحلته بعثوره على المخطوط ولقائه بشرين حفيدة الشاه. وتنتهي الرواية برحيل بنيامين وشيرين ورباعيات الخيام الى امريكا على متن الباخرة تيتانيك وغرق المخطوط للأبد في أعماق المحيط

تلخص الرواية حكايتنا والإستبداد الذي نعيشه في أيامنا هذه، حروب وصراعات على السلطة والأطماع الإستعمارية وما يتبعه من تأثيرات خطيرة على الشعوب.. وقد برع أمين معلوف في تسليط الضوء على فكرة الدعم الغربي لقيم التحرر والديمقراطية وارتباط هذا الدعم بمعدل ما يحققه لمصالحهم

أتفق تماما مع من قال أن أمين معلوف كتب الحاضر بلغة الماضي

ولا يفوتني ان أذكر ان المترجم د. عفيف دمشقية قد أبدع حقا في ترجمة الرواية ونقلها للعربية بلغة ساحرة بل وأكثر من رائعة

رواية القديس – أحمد عثمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *